فصل: باب فَضْلِ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح صحيح البخاري لابن بطال ***


باب مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ

- فيه‏:‏ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ‏:‏ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا‏.‏

قد تقدم الكلام فى هذا الحديث وفى اشتراط الصلوات فيه، وأما تركه- عليه السلام- التنقل فيه فالسُّنَّة عند جميع الصلوات ترك التنفل، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يعلم أمته أن التطوع ليس بلازم، لا يسع تركه، ولذلك كان ابن عمر لا يتنفل فى السفر‏.‏

باب صَلاةِ الضُّحَى فِى السَّفَرِ

- فيه‏:‏ مُوَرِّقٍ، قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ‏:‏‏:‏ تُصَلِّى الضُّحَى‏؟‏ قَالَ‏:‏ لا، قُلْتُ‏:‏ فَعُمَرُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ لا، قُلْتُ‏:‏ فَأَبُو بَكْرٍ‏؟‏ قَالَ‏:‏ لا، قُلْتُ فَالنَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قَالَ‏:‏ ‏(‏لا، إِخَالُهُ‏)‏‏.‏

- فيه‏:‏ ابْنَ أَبِى لَيْلَى، قَالَ‏:‏ مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا قَالَتْ‏:‏ إِنَّ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ الفَتْحِ، فَتْحِ مَكَّةَ، فَاغْتَسَلَ، وَصَلَّى ثَمَانِىَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ‏.‏

قال المؤلف‏:‏ أما حديث مورق عن ابن عمر فليس من هذا الباب، وإنما يصلح فى الباب الذى بعد هذا فيمن لم يصلى الضحى، وأظنه من غلط الناسخ، والله أعلم‏.‏

وأما قول ابن أبى ليلى‏:‏ ما حدثنا أحد أنه رأى الرسول يصلى الضحى غير أم هانئ فلا حجة فيه تَرُدُّ ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه صلى الضحى وأمر بصلاتها من طرق جمة، وسأذكر منها فى هذا الباب، وفى الباب الذى بعد هذا، إن شاء الله‏.‏

وقد يجوز أن يذهب علم مثل هذا عن كثير، ويوجد عند الأقل، ولما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ثمان ركعات فى وقت الضحى استدل البخارى من ذلك على جواز صلاة الضحى فى السفر، وقد روى ذلك نصا لا دليلا، روى ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، قال‏:‏ حدثنى الضحاك بن عبد الله القرشى، عن أنس بن مالك، قال‏:‏ رأيت رسول الله فى السفر صلى سبحة الضحى ثمان ركعات، وإذا جازت صلاتها فى السفر فالحضر أولى بذلك‏.‏

وقد ذكر الطبرى آثارًا مختلفة عن الرسول فى عدد صلاة الضحى، فمنها حديث أم هانئ، وحديث أنس هذا، وذكر أن سعد بن أبى وقاص، وأم سلمة كانا يصليان الضحى ثمانيًا، ومنها حديث ابن مسعود أن الرسول قال‏:‏ ‏(‏من صلى الضحى عشر ركعات بنى له بيت فى الجنة‏)‏‏.‏

ومنها حديث ثمامة عن أنس بن مالك، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من صلى الضحى ثنتى عشرة ركعة بنى الله له بها قصرًا من ذهب فى الجنة‏)‏‏.‏

ومنها‏:‏ حديث حميد، عن أنس، أن الرسول كان يصلى الضحى ست ركعات، وحديث جابر مثله، وروى عن عائشة أنها كانت تصلى الضحى ست ركعات‏.‏

ومنها‏:‏ حديث على، أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلى أربعًا، وعن عائشة مثله، وبه كان يأخذ علقمة والنخعى، وسعيد بن المسيب‏.‏

ومنها‏:‏ حديث عتبان بن مالك، أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى فى بيته سبحة الضحى ركعتين‏.‏

ومنها‏:‏ حديث أنس، أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى فى بيت الرجل الضحى ركعتين‏.‏

ومنها‏:‏ حديث جابر، أن النبى صلى الله عليه وسلم أمره أن يصلى سبحة الضحى فصلى ركعتين‏.‏

ومنها‏:‏ حديث أبى هريرة، أن الرسول أوصاه بركعتى الضحى، وقال‏:‏ ‏(‏من حافظ عليها غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر‏)‏‏.‏

وعن عبد الله بن عمر، أنه كان يصلى الضحى ركعتين، وعن الضحاك مثله‏.‏

قال الطبرى‏:‏ وليس منها حديث يدفع صاحبه، وذلك أنه من صلى الضحى أربعًا جائز أن يكون رآه فى حال فعله ذلك، ورآه غيره فى حال أخرى صلى ركعتين، ورآه آخر فى حال أخرى صلاها ثمانيًا، وسمعه آخر يحث على أن تصلى ستا، وآخر يحث على ركعتين، وآخر على عشر، وآخر على اثنتى عشرة، فأخبر كل واحد منهم عما رأى أو سمع‏.‏

ومن الدليل على صحة ما قلناه فى ذلك ما روى عن زيد بن أسلم، قال‏:‏ سمعت عبد الله بن عمر يقول لأبى ذر‏:‏ أوصنى يا عم، فقال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألتنى، قال‏:‏ ‏(‏من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا كتب من العابدين، ومن صلى ستًا، لم يلحقه ذلك اليوم ذنب، ومن صلى ثمانيًا كتب من القانتين، ومن صلى ثنتى عشرة ركعة بنى الله له بيتًا فى الجنة‏)‏‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ صلى رسول الله يومًا الضحى ركعتين، ثم يومًا أربعًا، ثم يومًا ستا، ثم يومًا ثمانيًا، ثم ترك فأبان بهذا الخبر عن صحة ما قلناه من احتمال خبر كل مخبر ممن تقدم قوله، أن يكون إخباره بما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم فى صلاة الضحى كان على قدر ما شاهده وعاينه‏.‏

فالصواب إذا كان الأمر كذلك أن يصليها من أراد على ما شاء من العدد، وقد روى هذا عن قوم من السلف، حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال‏:‏ سأل رجل الأسود، قال‏:‏ كم أصلى الضحى‏؟‏ قال‏:‏ كما شئت‏.‏

باب مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى وَرَآهُ وَاسِعًا

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالَتْ‏:‏ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يسَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّى لأسَبِّحُهَا‏.‏

قال المؤلف‏:‏ أما حديث مورق‏:‏ قلت لابن عمر‏:‏ تصلى الضحى‏؟‏ قال‏:‏ لا، قلت‏:‏ فعمر‏؟‏ قال‏:‏ لا، قلت‏:‏ فأبو بكر‏؟‏ قال‏:‏ لا، قلت‏:‏ فالنبى صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ لا، إخاله المذكور فى الباب قبل هذا، فهذا موضعه، ليس ذلك الباب، وأخذ قوم من السلف به وبحديث عائشة، ولم يروا صلاة الضحى، وقال بعضهم‏:‏ بأنها بدعة‏.‏

روى الشعبى، عن قيس بن عباد، قال‏:‏ كنت أختلف إلى ابن مسعود السنة كلها، فما رأيته مصليًا الضحى‏.‏

وقال إبراهيم النخعى‏:‏ حدثنى من رأى ابن مسعود صلى الفجر، ثم لم يقم لصلاة حتى أذن لصلاة الظهر، فقام فصلى أربعًا‏.‏

روى شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف‏:‏ أنه كان لا يصلى الضحى‏.‏

وعن مجاهد، قال‏:‏ دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر جالس عند باب حجرة عائشة، وإذا الناس يصلون فى المسجد صلاة الضحى، فسألناه عن صلاتهم، فقال‏:‏ بدعة، وقال مرة‏:‏ ونعمت البدعة‏.‏

وقال الشعبى‏:‏ سمعت ابن عمر يقول‏:‏ ما ابتدع المسلمون بدعة أفضل من صلاة الضحى، وقد سئل أنس عن صلاة الضحى، فقال‏:‏ الصلوات خمس‏.‏

وقد قيل‏:‏ إن صلاته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ثمان ركعات لم تكن صلاة الضحى، وإنما كانت من أجل الفتح، وأن سُنَّة الفتح أن يصلى عنده ثمان ركعات، ذكره الطبرى فى التاريخ عن الشعبى، قال‏:‏ لما فتح خالد بن الوليد الحيرة صلى صلاة الفتح ثمان ركعات، ولم يسلم فيهن، ثم انصرف‏.‏

قال المؤلف، رحمه الله‏:‏ هذا تأويل لا يدفع صلاة الضحى لتواتر الروايات بها عن الرسول، وفعل السلف بعده‏.‏

قال الطبرى‏:‏ وذهب قوم من السلف أن صلاة الضحى تصلى فى بعض الأيام دون بعض، واحتجوا بما رواه الجريرى، عن عبد الله بن شقيق قلت لعائشة‏:‏ أكان رسول الله يصلى الضحى‏؟‏ قالت‏:‏ لا، إلا أن يجئ من مغيبه، وروى ‏[‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏]‏، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبى سعيد، قال‏:‏ كان رسول الله يصلى الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها‏.‏

ذكر من كان يفعل ذلك من السلف‏:‏ روى شعبة عن حسين الشهيد، عن عكرمة، قال‏:‏ كان ابن عباس يصليها يومًا ويدعها عشرة أيام، يعنى صلاة الضحى‏.‏

وشعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه كان لا يصلى الضحى، فإذا أتى مسجد قباء صلى وكان يأتيه كل سبت‏.‏

وسفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال‏:‏ كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، ويصلون ويدعون، يعنى صلاة الضحى‏.‏

وعن سعيد بن جبير قال‏:‏ إنى لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها، مخافة أن أراها حتمًا علىّ‏.‏

قال الطبرى‏:‏ وحديث عبد الله بن شقيق، عن عائشة، وحديث أبى سعيد لا يضاد ما ثبت من الآثار عنه صلى الله عليه وسلم، بصلاة الضحى، لأنه يحتمل أن يكون كل مخبر إنما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بما شاهده وعاينه من فعله‏.‏

وليس فى قول من نفى صلاة الضحى واحتج بقول عائشة‏:‏ ما رأيت رسول الله يسبح سبحة الضحى قط، حجة لأنها أخبرت بما علمت لما خالفه، لأن قول القائل‏:‏ لم يصلها النبى صلى الله عليه وسلم غير مخبر عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏لم أصلها ولا أصليها‏)‏، فكيف وقد أخبر غير واحد عن عائشة ممن لا يتهم أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلى الضحى‏.‏

وذلك ما حدثنا به محمد بن بشار، قال‏:‏ حدثنا معاذ بن هشام، حدثنى أبى، عن قتادة، عن معاذة، عن عائشة، أنها سألتها‏:‏ أكان النبى يصلى الضحى‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، ورواه شعبة عن يزيد الرشك، عن معاذة، عن عائشة، قالت‏:‏ كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى الضحى أربعًا ويزيد ما شاء الله‏.‏

قال الطبرى‏:‏ فلو لم يدل على وهم الحديث عن عائشة، أن النبى لم يسبح سبحة الضحى، إلا هذه الأخبار المدونة عنها أنه صلاها، فكيف وفى خبر عبد الله بن شقيق عنها أنه كان يصليها عند قدومه من مغيبه‏؟‏‏.‏

قال غيره‏:‏ وقد يمكن الجمع بين أحاديث عائشة وغيرها، فيحمل قولها‏:‏ ما رأيت رسول الله يسبح سبحة الضحى، يعنى مواظبًا عليها ومعلنا بها، لأنه يجوز أن يصليها بحيث لا تراه، وقد روى عن عائشة أنها كانت تغلق على نفسها بابها ثم تصلى الضحى‏.‏

وقال مسروق‏:‏ كنا نقرأ فى المسجد فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم فنصلى الضحى، فبلغ ابن مسعود ذلك، فقال‏:‏ لم تحملوا عباد الله ما لم يحملهم الله‏؟‏ إن كنتم لابد فاعلين ففى بيوتكم‏.‏

وكان أبو مجلز يصلى الضحى فى منزله‏.‏

وكان مذهب السلف الاستتار بها وترك إظهارها للعامة، لئلا يرونها واجبة‏.‏

وفى قولها‏:‏ ‏(‏وإننى لأسبحها‏)‏ دليل أنها صلاة مندوب إليها مرغب فيها، وقد روى عنها أنها، قالت‏:‏ لو نشر لى أبواى من قبرهما ما تركتهما، فالتزامها لها لا يكون إلا عن علم عندها من النبى، صلى الله عليه وسلم‏.‏

باب صَلاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ

قَالَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم‏.‏

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَوْصَانِى الرَسُولِ بِثَلاثٍ، لا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ، صَوْمِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَسَ أَنَّ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، وَكَانَ ضَخْمًا، قَالَ لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم‏:‏ إِنِّى لا أَسْتَطِيعُ أصَلّى مَعَكَ، فَصَنَعَ لِلنَّبِىِّ طَعَامًا، ودَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ، وَنَضَحَ لَهُ طَرَفَ حَصِيرٍ بِمَاءٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ‏:‏ أَنَس مَا رَأَيْت صَلاةِ الضُّحَى، غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ‏.‏

قال المهلب‏:‏ فى حديث أبى هريرة الترغيب فى صلاة الضحى والحض عليها، لأنه لا يوصيه النبى صلى الله عليه وسلم بالمحافظة على عمل إلا وله فى عمله جزيل الأجر وعظيم الثواب‏.‏

وقد ذكر الطبرى أحاديث كثيرة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى صلاة الضحى سوى هذه، فمن أحسنها ما حدثه أبو كريب، حدثنا وكيع، عن النَّهَّاس بن قَهْم، عن شداد أبى عمار، عن أبى هريرة، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من حافظ على ركعتى الضحى غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وحدثنا ابن المثنى، حدثنا حكيم بن معاوية، قال‏:‏ حدثنا زياد بن عبد الله، عن حميد الطويل، عن أنس، قال‏:‏ كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى الضحى ست ركعات‏.‏

قال‏:‏ وحدثنا عيسى بن خالد، عن أبى مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن بحير ابن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبى الدرداء، وأبى ذر قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يقول الله عز وجل‏:‏ ابن آدم، صَلِّ أربع ركعات أول النهار أكفك آخره‏)‏‏.‏

وحدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهرى، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنى الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فى الإنسان ثلاث مائة مفصل، وستون مفصلاً ففى كل مفصل صدقة‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ يا رسول الله، ومن يطيق ذلك‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أليس ينحى أحدكم الأذى من الطريق، فإن لم يطق ذلك، فإن ركعتى الضحى تجزئ عنه‏)‏‏.‏

وحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن فضيل، حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مرة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى الضحى‏.‏

فى أحاديث كثيرة غير هذه تحقق رواية من روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلى الضحى، ويندب أمته إليها، وبذلك عمل الصالحون والسلف، ذكر ابن أبى شيبة، عن زيد بن أرقم، قال‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون الضحى، فقال‏:‏ ‏(‏صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى‏)‏‏.‏

وكان أبو ذر يصلى الضحى فيطيلها‏.‏

وسأل رجل الحسن البصرى هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون الضحى‏؟‏ قال‏:‏ نعم، منهم من كان يصلى أربعًا، ومنهم من كان يصلى ركعتين، ومنهم من كان يمد إلى نصف النهار‏.‏

وقال ابن أبى مليكة‏:‏ سئل ابن عباس عن صلاة الضحى، فقال‏:‏ إنها فى كتاب الله، لا يغوص عليها إلا غواص، ثم قرأها‏:‏ ‏(‏فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 36‏]‏‏.‏

ويروى عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، أنه دخل على أم هانئ، فأخبرته أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الضحى فخرج وهو يقول‏:‏ ‏(‏قرأت ما بين اللوحين فما عرفت صلاة الضحى إلا الآن‏)‏ يسبحن بالعشى والإشراق‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 18‏]‏‏)‏، وكنت أقول‏:‏ وأين الإشراق، وهى هذه‏.‏

باب الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ

- فيه‏:‏ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ‏:‏ حَفِظْتُ مِنَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ رَكَعَاتٍ‏:‏ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِى بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِى بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ، وَكَانَتْ سَاعَةً لا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، كَانَ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم لا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ‏.‏

اختلفت الأحاديث فى التنفل قبل الظهر، وفى حديث ابن عمر، أن النبى صلى الله عليه وسلم ركع ركعتين قبل الظهر، وفى حديث عائشة أنه ركع أربعًا، وقد روى مثل حديث عائشة‏:‏ أبو إسحاق الهمدانى، عن عمرو بن أوس، عن عنبسة بن أبى سيفان، عن أُم حبيبة، عن النبى صلى الله عليه وسلم وكان جماعة من السلف يفعلون ذلك‏.‏

وروى عن ابن مسعود، وابن عمر، والبراء، وأبى أيوب أنهم كانوا يصلون قبل الظهر، وعن ابن المسيب مثله‏.‏

وقال إبراهيم‏:‏ من السُّنَّة أربع قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر ببيته‏.‏

وروى من حديث البراء مثل حديث ابن عمر، رواه الليث، عن صفوان بن سليم، عن أبى بسرة الغفارى، عن البراء، قال‏:‏ سافرت مع النبى صلى الله عليه وسلم ثمان عشرة سفرة، وكان لا يدع ركعتين قبل الظهر‏.‏

وقال الطبرى‏:‏ والصواب أن يقال‏:‏ كلا الخبرين فى عدد صلاته قبل الظهر صحيح، وهو أنه إنما يكون من روى عنه أربعًا رآه يفعل ذلك فى كثير من أحواله، ورآه ابن عمر وغيره يصلى ركعتين فى بعض الأحوال، فرووا عنه ذلك، وإذا كان ذلك كذلك فللمرء أن يصلى قبل الظهر ما يشاء، لأن ذلك تطوع، وقد ندب الله المؤمنين إلى التقرب إليه بما أطاقوا من فعل الخير، والصلاة بعد الزوال وقبل الظهر كانت تعدل بصلاة الليل فى الفضل، روى هذا عن جماعة من السلف‏.‏

باب الصَّلاةِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ

- فيه‏:‏ عَبْدُاللَّهِ الْمُزَنِىُّ، عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏(‏صَلُّوا قَبْلَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ، قَالَ فِى الثَّالِثَةِ‏:‏ لِمَنْ شَاءَ‏)‏؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً‏.‏

- وفيه‏:‏ مَرْثَدَ الْيَزَنِىَّ، قَالَ‏:‏ أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِىَّ، فَقُلْتُ‏:‏ أَلا أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِى تَمِيمٍ، يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الْمَغْرِبِ، فَقَالَ عُقْبَةُ‏:‏ إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ‏:‏ فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ الشُّغْلُ‏.‏

اختلف السلف فى التنفل قبل المغرب، فأجازته طائفة، وكرهته طائفة، فممن روى عنه أنه كان يفعله‏:‏ أُبى بن كعب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وقال حميد، عن أنس‏:‏ إذا أذن المؤذن يبتدرون السوارى فيصلون‏.‏

قال عبد الرحمن بن أبى ليلى‏:‏ أدركت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يصلون عند كل تأذين‏.‏

وكان الحسن، وابن سيرين يركعان قبل المغرب، وهو قول أحمد وإسحاق‏.‏

والحجة لهم من حديث المزنى قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لمن شاء‏)‏‏.‏

وممن كان يصليها، قال إبراهيم النخعى‏:‏ لم يصل الركعتين قبل المغرب أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، وقال إبراهيم‏:‏ هما بدعة‏.‏

قال‏:‏ وكان خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكوفة على، وابن مسعود، وحذيفة، وعمار، وأبو مسعود، فأخبرنى من رمقهم كلهم، فما رأى أحدًا منهم يصلى قبل المغرب، وهو قول مالك، وأبى حنيفة، والشافعى‏.‏

قال المهلب‏:‏ والحجة لهم أن هذا كان فى أول الإسلام ليدل على أن وقت التحجير فى صلاة النافلة فى هذا الوقت قد انقطع بمغيب الشمس، وحلت النافلة والفريضة، ثم التزم الناس مبادرة الفريضة، لئلا يتباطأ الناس بالصلاة عن الوقت الفاضل، ويختلف أمر الناس فى المبادرة بالصلاة، إذ المغرب لا يشكل على العامة والخاصة، وغيرها من الصلوات يشكل عليهم دخول أوائل أوقاتها، وفيها مهلة حتى يستحكم الوقت، فلذلك أبيح الركوع قبل غيرها من الصلوات‏.‏

باب صَلاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً

ذَكَرَهُ أَنَسٌ وَعَائِشَةُ عَنِ الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏

- فيه‏:‏ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، أن رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم صَلى فِى بيته ركعتين، فكبر وصففنا خلفه‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث بطوله‏.‏

هذا الحديث يدل على جواز صلاة النوافل جماعة، قال ابن حبيب‏:‏ ولا بأس أن يؤم النفر فى النافلة فى صلاة الضحى وغيرها كالرجلين والثلاثة، وأما أن يكون مشتهرًا جدًا ويجتمع له الناس فلا‏.‏

قاله مالك‏.‏

قال ابن حبيب‏:‏ إلا أن يكون فى قيام رمضان، لما فى ذلك من سُنَّة أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم‏.‏

باب التَّطَوُّعِ فِى الْبَيْتِ

- فيه‏:‏ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اجْعَلُوا فِى بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا‏)‏‏.‏

هذا من التمثيل البديع، وذلك بتشبيهه صلى الله عليه وسلم البيت الذى لا يصلى فيه بالقبر الذى لا يمكن الميت فيه عبادة، وشبه النائم الليل كله بالميت الذى انقطع منه فعل الخير، وقد قال عمر بن الخطاب‏:‏ صلاة المرء فى بيته نُورٌ فَنَوِّرُوا بيوتكم‏.‏

وللعلماء فى معنى هذا الحديث قولان‏:‏ منهم من قال‏:‏ إن الحديث ورد فى النافلة دون الفريضة، لأن النبى صلى الله عليه وسلم قد سَنَّ الصلوات فى الجماعة، ورغب فى ذلك، وتوعد من تخلف عنها بغير عذر، وقال‏:‏ ‏(‏أفضل الصلاة صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة‏)‏‏.‏

فبان أن الحديث ورد فى النافلة، لأنها إذا كانت فى البيت كان أبرأ من الرياء والشغل بحديث الناس، فحض صلى الله عليه وسلم على النوافل فى البيوت، إذ السِّرُّ فى النوافل أفضل من الإعلان، وعلى هذا التأويل تكون ‏(‏مِن‏)‏ زائدة كأنه قال‏:‏ اجعلوا صلاتكم النافلة فى بيوتكم، كقوله‏:‏ ما جاءنى من أحدٍ، وأنت تريد ما جاءنى أحدٌ، وإلى هذا الوجه أشار البخارى، وقد روى ما يدل عليه عن النبى، صلى الله عليه وسلم‏.‏

روى الطبرى من حديث عبد الرحمن بن سابط، عن أبيه، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏نَوِّرُوا بيوتكم بذكر الله، وأكثروا فيها تلاوة القرآن، ولا تتخذوها قبورًا كما اتخذها اليهود والنصارى، فإن البيت الذى يقرأ فيه القرآن يتسع على أهله، ويكثر خيره، وتحضره الملائكة، ويُدحض عنه الشيطان، وإن البيت الذى لا يقرأ فيه القرآن يضيق على أهله، ويقل خيره، وتنفر عنه الملائكة، وتحضره الشياطين‏)‏‏.‏

وقد روى عن جماعة من السلف أنهم كانوا لا يتطوعون فى المسجد، روى ذلك عن حذيفة، وعن السائب بن يزيد، والنخعى، والربيع بن خثيم، وعبيدة، وسويد بن غفلة‏.‏

وقال آخرون‏:‏ هذا الحديث إنما ورد فى الفريضة، و ‏(‏مِنْ‏)‏ للتبعيض، كأنه قال‏:‏ اجعلوا بعض صلاتكم المكتوبة فى بيوتكم ليقتدى بكم أهلوكم، ومن لا يخرج إلى المسجد منهم، ومن يلزمكم تعليمه لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قوا أنفسكم وأهليكم نارًا‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 6‏]‏ ومن تخلف عن جماعة لجماعة، وإن كانت أقل منها فلم يتخلف عنها، ومن صلى فى بيته جماعة فقد أصاب سُنَّة الجماعة وفضلها‏.‏

روى حماد، عن إبراهيم قال‏:‏ إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة، لهما التضعيف خمسًا وعشرين درجة‏.‏

وروى أن أحمد بن حنبل، وإسحاق، وعلى بن المدينى، اجتمعوا فى دار أحمد فسمعوا النداء، فقال أحدهم‏:‏ اخرج بنا إلى المسجد، فقال أحمد‏:‏ خروجنا إنما هو للجماعة، ونحن فى جماعة، فأقاموا الصلاة وصلوا فى البيت‏.‏

باب فَضْلِ الصَّلاةِ فِى مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ

- فيه‏:‏ أَبُو سَعِيد، وَأَبُو هُرَيْرَة، قَالَ النَّبِىّ، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ‏:‏ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، والْمَسْجِدِ الأقْصَى‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ‏:‏ قَالَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏صَلاةٌ فِى مَسْجِدِى هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ‏)‏‏.‏

قال المؤلف‏:‏ هذا الحديث فى النهى عن إعمال المطى، إنما هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة فى مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة المذكورة، قال مالك‏:‏ من نذر صلاة فى مسجد لا يصل إليه إلا براحلة، فإنه يصلى فى بلده، إلا أن ينذر ذلك فى مسجد مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فعليه السير إليها‏.‏

وقال المؤلف‏:‏ وأما من أراد الصلاة فى مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعًا بذلك، فمباح له قصدها بإعمال المطى وغيره، ولا يتوجه إليه النهى فى هذا الحديث‏.‏

فإن قيل‏:‏ فإن أبا هريرة أعمل المطى إلى الطور، فلما انصرف لقيه بَصْرة بن أبى بَصْرة، فأنكر عليه خروجه، وقال له‏:‏ لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت، سمعت الرسول يقول‏:‏ ‏(‏لا تعمل المطى إلا إلى ثلاثة مساجد‏)‏‏.‏

فدل أن مذهب بَصْرة حمل الحديث على العموم فى النهى عن إعمال المطى إلى غير الثلاثة المساجد على كل حال، فدخل فيه الناذر والمتطوع‏.‏

قيل له‏:‏ ليس كما ظننت، وإنما أنكر بَصْرة على أبى هريرة خروجه إلى الطور، لأن أبا هريرة كان من أهل المدينة التى فيها أحد المساجد الثلاثة التى أُمر بإعمال المطى إليها، ومن كان كذلك فمسجده أولى بالإتيان، وليس فى الحديث أن أبا هريرة نذر السير إلى الطور، وإنما ظاهره أنه خرج متطوعًا إليه، وكان مسجده بالمدينة أولى بالفضل من الطور، لأن مسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس أفضل من الطور‏.‏

وقد اختلف العلماء فيمن كان بالمدينة، فنذر المشى إلى بيت المقدس، فقال مالك‏:‏ يمشى ويركب‏.‏

وقال الأوزاعى‏:‏ يمشى ويركب ويتصدق‏.‏

وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ يصلى فى مسجد المدينة أو مكة‏.‏

واحتج أبو يوسف فى ذلك بأن الصلاة فى مكة والمدينة أفضل من الصلاة فى بيت المقدس، فلذلك أجزأُه‏.‏

وقال سعيد بن المسيب‏:‏ من نَذَر أن يعتكف فى مسجد إيلياء، فاعتكف فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم فاعتكف فى المسجد الحرام أجزأ عنه، وقال الشافعى‏:‏ يمشى إلى مسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، إذا نذر ذلك، ولا يتبين لى وجوبه عليه، لأن البر بإتيان بيت الله عز وجل فرضٌ، والبر بإتيان هذين نافلة‏.‏

وقال ابن المنذر‏:‏ من نذر المشى إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الحرام، وجب عليه ذلك، لأن الوفاء به طاعة، ومن نذر المشى إلى بيت المقدس كان بالخيار إن شاء مشى إليه، وإن شاء مشى إلى المسجد الحرام، لحديث جابر‏:‏ أن رجلاً قال للنبى، صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنى نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلى فى بيت المقدس، قال‏:‏ ‏(‏صلى هاهنا ثلاثًا‏)‏‏.‏

وقال أبو يوسف‏:‏ إن نذر أن يصلى فى المسجد الحرام، فصلى فى بيت المقدس لم يجزئه، لأنه صلى فى مكان ليس له من الفضل ما للمكان الذى أوجب على نفسه فيه الصلاة‏.‏

وحكى الطحاوى عن أبى حنيفة، ومحمد أنه من جعل الله عليه أن يصلى فى مكان، فصلى فى غيره أجزأه‏.‏

واحتج لهم الطحاوى بأن معنى قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام‏)‏‏.‏

أن المراد به الفريضة لا النافلة، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏خير صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة‏)‏، فثبت فساد ما احتج به أبو يوسف، وثبت أن من أوجب على نفسه صلاة فى مكان، وصلى فى غيره أجزأه‏.‏

وأما قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام‏)‏، فإن العلماء اختلفوا فى تفضيل مكة على المدينة، أو المدينة على مكة، فذهبت طائفة إلى أن المدينة أفضل من مكة، روى هذا عن عمر بن الخطاب، وهو قول مالك، وكثير من أهل المدينة‏.‏

وذهبت طائفة إلى تفضيل مكة، هذا قول عطاء، والمكيين، وأهل الكوفة، والشافعى‏.‏

وقال الشافعى‏:‏ مكة أفضل البقاع‏.‏

ذكره الساجى، وهو قول ابن وهب صاحب مالك، وابن حبيب الأندلسى، وكلا الطائفتين نزعت بحديث أبى هريرة‏.‏

قال المؤلف‏:‏ وليس فى حديث أبى هريرة حجة لواحدٍ منهما، وإنما يفهم من لفظ حديث أبى هريرة أن صلاة فى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، ثم استثنى المسجد الحرام، وحكم الاستثناء عند أهل اللسان إخراج الشىء مما دخل فيه هو وغيره بلفظ شامل لهما، وإدخاله فيما خرج منه هو وغيره بلفظ شامل لهما‏.‏

وقد مثل بعض أهل العلم بلسان العرب الاستثناء فى هذا الحديث بمثالٍ بَيَّن فيه معناه، فإذا قلت‏:‏ اليمن أفضل من جميع البلاد بألف درجة إلا العراق، جاز أن يكون العراق مساويًا لليمن، وجاز أن يكون فاضلاً وأن يكون مفضولاً، فإن كان مساويًا فقد عُلم فضله، وإن كان فاضلاً أو مفضولاً لم يقدر مقدار المفاضلة بينهما إلا بدليل على عدة درجات، إما زائدة على ذلك، أو ناقصة عنها فيحتاج إلى ذكرها‏.‏

ومما احتج به أهل المقالة الأولى على ذلك ما رواه ابن عيينة، عن زياد بن سعد، سمع سليمان بن عتيق، سمع ابن الزبير، سمع عمر بن الخطاب، يقول‏:‏ صلاة فى المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه‏.‏

قال أبو عبد الله بن أبى صفرة‏:‏ فقول عمر هذا يفسر قول النبى، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام‏)‏‏.‏

فإن مسجدى خير من تسع مائة منه‏.‏

ومثل هذا التأويل تأول عبد الله بن نافع صاحب مالك حديث أبى هريرة، فكان يقول‏:‏ الصلاة فى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة فى سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة فيه بدون الألف‏.‏

واحتج أهل المقالة الثانية بما رواه حماد بن زيد، عن حبيب المعلم، عن عطاء بن أبى رباح، عن عبد الله بن الزبير، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏صلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة‏)‏‏.‏

واحتجوا من طريق النظر بأن الله تعالى فرض على عباده قصد بيته الحرام مرة فى العمر، ولم يفرض عليهم قصد مسجد المدينة، قالوا‏:‏ ومن قول مالك أن من نذر الصلاة فى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمشى إليه ألا يلزمه المشى إليه، وعليه أن يأتيه راكبًا، ومن نذر المشى إلى مكة فإنه يمشى إليها ولا يركب‏.‏

فدل هذا من قوله أن مكة أفضل، لأنه لم يوجب المشى إليها إلا لتعظيم حرمتها وكبير فضلها‏.‏

باب مَسْجِدِ قُبَاءٍ

- فيه‏:‏ ابْنَ عُمَرَ، أَنّه كَانَ لا يُصَلِّى الضُّحَى إِلا فِى يَوْمَيْنِ‏:‏ يَوْمَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيُصَلِّى حول الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَوْمَ يَأْتِى مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّىَ فِيهِ، وَكَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ الرَسُول صلى الله عليه وسلم كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، ويَقُولُ‏:‏ إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِى يَصْنَعُونَ، وَلا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّىَ فِى أَىِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَنْ لا تَتَحَرَّوْا بِصَّلاَتَكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلا غُرُوبَهَا‏.‏

وترجم له باب مَنْ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ‏.‏

وقال ابْنِ عُمَرَ‏:‏ كَانَ رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَأْتِيه كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا‏.‏

قال أبو جعفر الداودى‏:‏ إتيان النبى صلى الله عليه وسلم مسجد قباء يدل أن ما قرب من المساجد الفاضلة التى فى المصر لا بأس أن يؤتى ماشيًا وراكبًا، ولا يكون فيه ما نهى أن تُعمل المطى‏.‏

وذكر ابن أبى شيبة من حديث أبى أمامة بن سهل، عن أبيه، عن النبى، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن صلاة فى مسجد قباء كعمرة‏)‏‏.‏

وروى عن سعد بن أبى وقاص، وابن عمر، أنهما قالا‏:‏ صلاة فيه كعمرة‏.‏

وروى وكيع، عن ربيعة بن عثمان، قال‏:‏ حدثنى عمران بن أبى أنس، عن سهل بن سعد، قال‏:‏ اختلف رجلان فى المسجد الذى أسس على التقوى، فقال أحدهما‏:‏ هو مسجد المدينة، وقال الآخر‏:‏ هو مسجد قباء، فأتوا النبى صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏هو مسجدى هذا‏)‏‏.‏

وروى وكيع، عن أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى، عن أبيه، عن النبى صلى الله عليه وسلم مثله‏.‏

وذكر الدارقطنى عن كثير بن الوليد، عن مالك بن أنس، عن أبى الزناد، عن خارجة ابن زيد بن ثابت، عن أبيه، عن النبى صلى الله عليه وسلم مثله‏.‏

وهو قول ابن عمر، وسعيد بن المسيب، ومالك بن أنس، وقد يجوز أن يكونا جميعًا أسسا على التقوى‏.‏

وقد اختلف فيمن نذر الصلاة فى مسجد قباء من المدينة، فذكر ابن حبيب، عن ابن عباس أنه أوجبه فيه، وفى كتاب ابن المنذر‏:‏ ومن نذر أن يصلى فى مسجد غير الثلاث مساجد فليصل موضعه ولا يأتيه، إلا أن يكون قريبًا جدًا، فليأته فليصل فيه‏.‏

قال ابن حبيب‏:‏ قال مالك‏:‏ إن كان معه فى البلد مشى إليه، وصلى فيه‏.‏

باب فَضْلِ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ

- فيه‏:‏ عَبْدِاللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ النّبِىّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏(‏مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ‏)‏‏.‏

وعن أَبِى هُرَيْرَة مثله، وزاد‏:‏ ‏(‏وَمِنْبَرِى عَلَى حَوْضِى‏)‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ وقوله‏:‏ ‏(‏ما بين بيتى ومنبرى‏)‏ يحتمل معنيين‏:‏ أحدهما‏:‏ بين بيتى الذى أسكنه، وذلك أظهر معنييه، لأن المتعارف من كلام الناس بينهم إذا قال قائل‏:‏ فلان فى بيته أنه يعنى به بيته الذى يسكنه‏.‏

وقد روى ‏(‏ما بين حجرتى ومنبرى‏)‏، وهذا بيِّن‏.‏

والوجه الثانى‏:‏ قاله زيد بن أسلم، قال‏:‏ بيته فى هذا الحديث هو قبره، ويؤيد هذا القول رواية من روى ‏(‏ما بين قبرى ومنبرى‏)‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ إذا كان قبره فى بيت من بيوته، كان معلوم بذلك أن الروايات وإن اختلفت ألفاظها صحيحة، لأن معانيها متفقة، لأن بيته الذى فيه قبره هو حجرة من حجره، وبيت من بيوته، وهو قبره أيضًا، وبيته بعد وفاته، فبين بيته الذى فيه قبره وحجرته التى فيها جدثه روضة من رياض الجنة، والروضة فى كلام العرب المكان المطمئن من الأرض فيه النبت والعشب‏.‏

وإنما عنى صلى الله عليه وسلم أن ذلك الموضع للمصلى فيه، والذاكر الله عنده والعامل بطاعته كالعامل فى روضة من رياض الجنة، وأن ذلك يقود إلى الجنة، وكذلك ما كان يسمع فيه من النبى صلى الله عليه وسلم من الإيمان والدين يقود إليها أيضًا، كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ارتعوا فى رياض الجنة‏)‏، قيل‏:‏ ما رياض الجنة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏مجالس الذكر‏)‏‏.‏

فجعل مجالس الذكر فى شرفها وفضلها بمنزلة رياض الجنة، وجعل ذاكر الله فيها كالراتع فى رياض الجنة‏.‏

وكما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الجنة تحت ظلال السيوف‏)‏ يعنى أنه عمل يوصل به إلى الجنة، وكما قال‏:‏ ‏(‏الأم باب من أبواب الجنة‏)‏، يريد أن يره بها ودعاءها له يوصله إلى الجنة، وهذا معلوم فى لسان العرب؛ تسمية الشىئ بما يئول إليه ويتولد عنه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏ومنبرى على حوضى‏)‏، يحتمل معنين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن يكون الله تعالى يعيد المنبر بعينه، ويرفعه فيكون على حوضه، كأنه قال عليه السلام‏:‏ ولى أيضًا منبر على حوضى أدعو الناس إلى الحوض عليه‏.‏

باب اسْتِعَانَةِ الْيَدِ فِى الصَّلاةِ إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الصَّلاةِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ يَسْتَعِينُ الرَّجُلُ فِى صَلاتِهِ مِنْ جَسَدِهِ بِمَا شَاءَ‏.‏

وَوَضَعَ أَبُو إِسْحَاقَ قَلَنْسُوَتَهُ فِى الصَّلاةِ وَرَفَعَهَا، وَوَضَعَ عَلِىٌّ كَفَّهُ عَلَى رُسْغِهِ الأيْسَرِ إِلا أَنْ يَحُكَّ جِلْدًا أَوْ يُصْلِحَ ثَوْبًا‏.‏

- فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، حين بَاتَ عِنْدَ خَالَتُهُ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَقام رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلى فَقُمت إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِى، وَأَخَذَ بِأُذُنِى الْيُمْنَى فَفْتِلُهَا بِيَدِهِ الْيُمْنَى‏.‏‏.‏

الحديث‏.‏

هذا الباب هو من باب العمل فى الصلاة، ويسيره معفو عنه عند العلماء، والاستعانة باليد فى الصلاة فى هذا الحديث هى وضع النبى صلى الله عليه وسلم يده على رأس ابن عباس وفتله أذنه، فاستنبط البخارى منه أنه لما جاز للمصلى أن يستعين بيده فى صلاته فيما يحض به غيره على الصلاة، ويعينه عليها، وينشطه فيها، كان استعانته فى أمر نفسه ليتقوى بذلك على صلاته وينشط إليها إذا احتاج إلى ذلك أولى‏.‏

وقد اختلف السلف فى الاعتماد فى الصلاة والتوكؤ على الشىء، فذكر البخارى عن ابن عباس أنه لم ير بأسًا أن يستعين فى الصلاة بما شاء من جسده، وعن على بن أبى طالب أنه وضع كفه على رسغه الأيسر‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ لا بأس أن يستعين فى صلاته بما شاء من جسده وغيره، ذكر ابن أبى شيبة قال‏:‏ كان أبو سعيد الخدرى يتوكأ على عصا، وعن أبى ذر مثله‏.‏

وقال عطاء‏:‏ كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يتوكئون على العصى فى الصلاة‏.‏

وأوتد عمرو بن ميمون وتدًا فى حائط، فكان إذا سئم القيام فى الصلاة، أو شق عليه أمسك الوتد يعتمد عليه، وقال الشعبى‏:‏ لا بأس أن يعتمد على الحائط، وكرهت ذلك طائفة، روى ابن أبى شيبة، عن الحسن أنه كره أن يعتمد على الحائط فى المكتوبة، إلا من عِلَّة، ولم يَرَ به بأسًا فى النافلة ونحوها‏.‏

قال مالك فى المدونة‏:‏ لا يتكئ على عصًا أو حائط، ولا بأس به فى النافلة لطول القيام، وكرهه ابن سيرين فى الفريضة والتطوع، قال مجاهد‏:‏ إذا توكأ على الحائط ينقص من صلاته بقدر ذلك‏.‏

وقد تقدم فى باب ما يكره من التشديد فى العبادة زيادة فى هذا المعنى، وقول البخارى‏:‏ إلا أن يحك جلدًا، أو يصلح ثوبًا، فلا حرج عليه فيه، لأنه أمر عام لا يمكن الاحتراز عنه‏.‏

باب مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ الْكَلامِ فِى الصَّلاةِ

- فيه‏:‏ عَبْدِاللَّهِ، قَالَ‏:‏ ‏(‏كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِى الصَّلاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِىِّ، سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، وَقَالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّ فِى الصَّلاةِ شُغْلا‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِى الصَّلاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ‏:‏ ‏(‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 238‏]‏، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ‏.‏

قال المهلب‏:‏ المصلى مناجٍ لربه، فواجب عليه ألا يقطع مناجاته بكلام مخلوق، وأن يُقبل على ربه، ويلتزم الخشوع، ويعرض عما سوى ذلك، ألا ترى قوله، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن فى الصلاة شغلاً‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ‏(‏والقنوت فى هذه الآية الطاعة والخشوع لله تعالى، فينبغى ترك الكلام المنافى للخشوع، إلا أن يكون الكلام فى إصلاح الصلاة، فإنه من الخشوع، لأنه فى تصحيح ما هو فيه من أمر صلاته‏.‏

وقد أجاز الكلام فى الصلاة عمدًا وسهوًا لمصلحتها طائفة، منهم مالك والأوزاعى، وَمَنع ذلك الكوفيون وزعموا أن حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم ناسخ لقصة ذى اليدين، وسأذكر اختلاف أهل العلم فى ذلك عند ذكر قصة ذى اليدين بعد هذا، إن شاء الله تعالى، ونذكر هاهنا طرفًا من ذلك فى رد قول الكوفيين، وذلك أن الآثار تواترت عن ابن مسعود أن قدومه من الحبشة على النبى صلى الله عليه وسلم حين لم يرد النبى صلى الله عليه وسلم السلامَ، وقال له‏:‏ ‏(‏إن فى الصلاة شغلاً‏)‏، كان بمكة، وإسلام أبى هريرة كان بالمدينة عام خيبر، فكيف ينسخ الأول الآخر، هذا محال‏.‏

فإن قالوا‏:‏ فحديث ابن أرقم ناسخ لحديث أبى هريرة فى قصة ذى اليدين، لأن زيدًا كان من الأنصار ولم يصحب النبى صلى الله عليه وسلم إلا بالمدينة، وسورة البقرة مدنية‏.‏

قيل‏:‏ لا تاريخ عندنا لأى حديث كان منهما قبل صاحبه، غير أن زيدًا أقدم إسلامًا من أبى هريرة، وأبو هريرة أسلم عام خيبر، وصحب النبى صلى الله عليه وسلم خمسة أعوام، وإذا لم يعلم أيهما قبل صاحبه، لم يقض بالنسخ لواحد منهما، ويحتمل أن يكون معنى قول زيد ابن أرقم‏:‏ ‏(‏فأمرنا بالسكوت‏)‏، يعنى إلا ما كان من أمر الكلام فى مصلحة الصلاة، فهو غير داخل فى النهى عن الكلام فى الصلاة، ليوافق حديث أبى هريرة، فلا يعارض واحد منهما صاحبه‏.‏

ودل حديث زيد على النوع المنهى عنه من الكلام فى الصلاة، وهو قوله‏:‏ ‏(‏كنا نتكلم فى الصلاة، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته‏)‏، والأمة مجمعة على تحريم هذا النوع من الكلام فى الصلاة، وعلى مثل ذلك دل حديث ابن مسعود أنهم كانوا يسلم بعضهم على بعض فى الصلاة فلما قدموا من الحبشة لم يردّ صلى الله عليه وسلم عليهم، وقال‏:‏ ‏(‏إن فى الصلاة شغلاً‏)‏ فبان فى الحديثين النوع المنهى عنه من الكلام فى الصلاة، وهو ما ليس من أمر الصلاة، وثبت بحديث ذى اليدين جواز الكلام فى الصلاة لمصلحتها، وهذا التأويل أولى لئلا تتضاد الأحاديث، والله الموفق‏.‏

باب مَا يَجُوزُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ فِى الصَّلاةِ لِلرِّجَالِ

- فيه‏:‏ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ‏:‏ خَرَجَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِى عَمْرِو بنِ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ، وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ بِلالٌ لأَبِى بَكْر، فَقَالَ‏:‏ حُبِسَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَتَؤُمُّ النَّاسَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ إِنْ شِئْتُمْ، فَأَقَامَ بِلالٌ الصَّلاةَ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى، فَجَاءَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَمْشِى فِى الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا، حَتَّى قَامَ فِى الصَّفِّ الأوَّلِ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِى التَّصْفِيحِ، فَقَالَ سَهْلٌ‏:‏ هَلْ تَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ هُوَ التَّصْفِيقُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لا يَلْتَفِتُ فِى صَلاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا الْتَفَتَ، فَإِذَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فِى الصَّفِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ‏:‏ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ، فَتَقَدَّمَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى‏.‏

قال المهلب‏:‏ فيه من الفقه‏:‏ أن الصلاة لا يجب تأخيرها عن وقتها المختار، وإن غاب الإمام الفاضل‏.‏

وفيه‏:‏ أنه لا يجب لأحد أن يتقدم جماعة لصلاة، ولا غيرها، إلا عن رضا الجماعة، لقول أبى بكر‏:‏ نعم إن شئتم، وهو يعلم أنه أفضلهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وفيه‏:‏ أن الإقامة إلى المؤذن وهو أولى بها، وقد اختلف فيها، فقال بعضهم‏:‏ من أذن فهو يقيم، وقال مالك والكوفيون‏:‏ لا بأس بأذان المؤذن وإقامة غيره‏.‏

والذى ترجم له البخارى فهو ‏[‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏]‏ فى هذا الحديث، وقد تقدم فى أبواب الإمامة فى حديث سهل هذا، وهو أيضًا فى باب رفع الأيدى فى الصلاة لأمر ينزل به بعد هذا‏.‏

وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما لى أراكم أكثرتم التصفيق، من نابه شىء فى صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه‏)‏، ففى هذا أن التسبيح جائز للرجال والنساء عندما ينزل بهم من حاجة تنوبهم، ألا ترى أن الناس أكثروا بالتصفيق لأبى بكر ليتأخر للنبى صلى الله عليه وسلم وبهذا قال مالك والشافعى‏:‏ أن من سبح فى صلاته لشىء ينوبه، أو أشار إلى إنسان، فإنه لا تقطع صلاته‏.‏

وخالف فى ذلك أبو حنيفة، فقال‏:‏ إن سبح أو حمد الله جوابًا لإنسان فهو كلام، وإن كان منه ابتداءً لم يقطع، وإن وطئ على حصاة، أو لسعته عقرب، فقال‏:‏ بسم الله، أراد بذلك الوجع فهو كلام‏.‏

وقال أبو يوسف فى الأمرين‏:‏ ليس بكلام‏.‏

وقول أبى حنيفة مخالف للحديث، لأن الرسول، قال‏:‏ ‏(‏إذا سبح التفت إليه‏)‏، وفهم الصحابة من هذا أنهم إذا سبحوا للإمام ولم يفهم عنهم أن يكثروا ذلك حتى يفهم، ألا ترى أنهم أكثروا التصفيق حتى التفت أبو بكر، ولو لم يكن التسبيح على نية إعلام الساهى ما ردَّدُوه حتى فهم‏.‏

وقد بَيِّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الالتفات فى الصلاة إنما يكون من أجل التسبيح، فهو مقصود بذلك‏.‏

وفيه‏:‏ أن الالتفات فى الصلاة لا يقطعها‏.‏

وفيه‏:‏ أنه لا بأس بتخلل الصفوف والمشى إلى الصف الأول لمن يليق به الصلاة فيه، لأن شأن الصف الأول أن يقوم فيه أفضل الناس علمًا ودينًا، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ليلينى منكم ذوو الأحلام والنهى‏)‏، يعنى، والله أعلم، ليحفظوا عنه ويَعُوا ما كان منه فى صلاته، وكذلك يصلح أن يقوم فى الصف الأول من يصلح أن يلقن الإمام ما تعامى عليه من القراءة، ومن يصلح للاستخلاف فى الصلاة، وقد تقدم كثير من معانى هذا الحديث فى أبواب الإمامة، فأغنى عن إعادته‏.‏

وفيه‏:‏ دليل على جواز الفتح على الإمام وتلقينه إذا أخطأ، وقد اختلف العلماء فى ذلك فأجازه الأكثر، وممن أجازه‏:‏ على، وعثمان، وابن عمر، وروى عن عطاء، والحسن، وابن سيرين، وهو قول مالك، وأبى يوسف، والشافعى، وأحمد، وإسحاق‏.‏

وكرهه طائفة، روى ذلك عن ابن مسعود، والشعبى، والنخعى، وكانوا يرونه بمنزلة الكلام، وهو قول الثورى والكوفيبن، وروى عن أبى حنيفة‏:‏ إن كان التسبيح جوابًا قطع الصلاة، وإن كان من مرور إنسان بين يديه لم يقطع‏.‏

وقال أبو يوسف‏:‏ لا يقطع وإن كان جوابًا‏.‏

واعتلَّ من كرهه، فقالوا‏:‏ التلقين كلام لا قراءة للقرآن‏.‏

والقول الأول أولى، لأنه إذا جاز التسبيح جازت التلاوة، لأنه لو قرأ شيئًا من القرآن غير قاصد تلقين أحد لم تفسد بذلك صلاته عند الجميع، فإذا كان كذلك لم يغير ذلك معناه، قصد به تلقين إمامه أو غيره، كما لو قرأ ما أمر بقراءته فى صلاته وعمد بها إسماع من بحضرته ليتعلمه لم تفسد بذلك صلاته، قاله الطبرى‏.‏

وقال الطحاوى‏:‏ ولما كان التسبيح لما ينوبه فى صلاته مباحًا، ففتحه على الإمام أحرى أن يكون مباحًا‏.‏

وقال أبو على البغدادى‏:‏ صفح الرجل تصفيحًا‏:‏ مثل صفق‏.‏

باب مَنْ سَمَّى قَوْمًا أَوْ سَلَّمَ فِى الصَّلاةِ عَلَى غَيْرِهِ مُوَاجَهَةً وَهُوَ لا يَعْلَمُ

- فيه‏:‏ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ‏:‏ كُنَّا نَقُولُ التَّحِيَّةُ فِى الصَّلاةِ، وَنُسَمِّى، وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ‏:‏ ‏(‏قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِذَا قَلْتُمْ ذَلِكَ، فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِى السَّمَاءِ وَالأرْضِ‏)‏‏.‏

معنى هذا الباب‏:‏ أنه يجوز الكلام فى الصلاة إذا كان من شأنها، وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم فى الصلاة‏:‏ ‏(‏اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين‏)‏، فهو من الكلام الذى يرجى نفعه، وتعم بركته، وقوله‏:‏ ‏(‏من سَمَّى قومًا‏)‏ يريد ما كانوا يفعلونه أولا من مواجهة بعضهم بعضًا ومخاطبتهم قبل أن يأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بهذا التشهد، فأراد البخارى يعرفك أنه لما لم يأمرهم النبى بإعادة تلك الصلاة التى سمّى فيها بعضهم بعضًا، عُلم أنه مَنْ فَعَل هذا جاهلاً أنه لا تفسد صلاته، وقال مالك والشافعى‏:‏ إن من تكلم فى صلاته ساهيًا لم تفسد صلاته، وقوله‏:‏ ‏(‏أو يسلم فى الصلاة على غيره وهو لا يعلم‏)‏، يعنى لا يعلم المسلَّم عليه، ولا يسمع السلام عليه‏.‏

قال المهلب‏:‏ وأمره صلى الله عليه وسلم بمخاطبته فى التحيات لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏السلام عليك أيها النبى‏)‏، وهو أيضًا خطاب فى الصلاة لغير المصلى، لكن لما كان خطاب النبى صلى الله عليه وسلم حيًا وميتًا من باب الخشوع، ومن أسباب الصلاة المرجو بركتها لم يكن بخطاب المصلى لغيره، وفى هذا دليل أن ما كان من الكلام عامدًا فى أسباب الصلاة أنه جائز سائغ، بخلاف قول أبى حنيفة، والشافعى‏.‏

وإنما أنكر صلى الله عليه وسلم تسميتهم للناس بأسمائهم، لأن ذلك يطول على المصلى ويخرجه مما هو فيه من مناجاة ربه إلى مناجاة الناس شخصًا شخصًا، فجمع لهم هذا المعنى فى قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين‏)‏، فهو وإن خاطب نفسه فقد خاطب أيضًا غيره معه، لكنه مما يرجى بركته فيها، فكأنه منها‏.‏

باب التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أن النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏(‏التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ‏)‏‏.‏

وترجم البخارى لحديث سهل، باب من صفق جاهلاً من الرجال فى صلاته لم تفسد صلاته‏.‏

أجمع العلماء أن سُنَّة الرجال إذا نابهم شىء فى الصلاة التسبيح، واختلفوا فى حكم النساء، فذهبت طائفة إلى أن إذن المرأة فى الصلاة التصفيق، وإذن الرجل التسبيح على ظاهر الحديث، وروى عن النخعى، وهو قول الأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ التسبيح للرجال والنساء جميعًا، هذا قول مالك، وتأول أصحابه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما التصفيق للنساء‏)‏ أنه من شأنهن فى غير الصلاة، فهو على وجه الذم لذلك فلا تفعله فى الصلاة امرأة ولا رجل‏.‏

وذكر ابن شعبان فى كتابه‏:‏ اختلف قول مالك فى ذلك، فقال مرة‏:‏ تسبح النساء ولا يصفقن، لأن الحديث جاء ‏(‏من نابه شىء فى صلاته فليسبح‏)‏، وقال مرة أخرى‏:‏ التصفيح للنساء، والتسبيح للرجال، كما جاء فى الحديث، قال‏:‏ والأول أحب إلينا‏.‏

واحتج أهل المقالة الأولى أن التسبيح إنما كره للنساء، لأن صوت المرأة فتنة، ولهذا منعت من الأذان، والإقامة، والجهر بالقراءة فى الصلاة، واحتجوا بما رواه حماد بن زيد، عن أبى حازم، عن سهل بن سعد، فى هذا الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من نابه شىء فى صلاته فليسبح الرجال، ولتصفح النساء‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ وهذا نص لا تأويل لأحد معه‏.‏

وقوله فى أول الباب‏:‏ ‏(‏من صفق جاهلاً من الرجال لم تفسد صلاته‏)‏، إنما تأول ذلك، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر الذين صفقوا بالإعادة، ففيه جواز العمل اليسير فى الصلاة‏.‏

والتصفيق‏:‏ الاضطراب وضرب اليد على اليد، وفى كتاب الأفعال‏:‏ صفق رأسه صفقًا‏:‏ ضربه باليد، وكذلك صفق عنقه‏.‏

وقال الأصمعى‏:‏ صفقت يده بالبيعة‏:‏ إذا ضربت يدك على يده، وصفق الطائر بجناحيه‏:‏ ضرب بهما‏.‏

باب مَنْ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فِى صَلاتِهِ أَوْ تَقَدَّمَ بِأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ

رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِىِّ، صلى الله عليه وسلم‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِى الْفَجْرِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّى بِهِمْ، فَفَجِئَهُمُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلاةِ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِى صَلاتِهِمْ فَرَحًا بِالنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَأَوْهُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ‏:‏ أَنْ أَتِمُّوا، ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَتُوُفِّىَ ذَلِكَ الْيَوْمَ‏.‏

وهذا الباب أيضًا من باب العمل اليسير فى الصلاة‏.‏

وفيه‏:‏ أن التقدم والتأخر فى الصلاة جائز لما ينزل بالمصلى‏.‏

وفيه‏:‏ تفسير لقوله صلى الله عليه وسلم لأبى بكرة حين دبَّ راكعًا‏:‏ ‏(‏زادك الله حرصًا ولا تعد‏)‏ أنه لم يرد بقوله‏:‏ لا تجزئك صلاتك إذ لا فرق بين مشى القائم ومشى الراكع فى الصلاة، فلما لم تنتقض صلاة أبى بكر بتأخره وتقدمه، عُلم أن الراكع إذا تقدم أو تأخر أيضًا لا تبطل صلاته‏.‏

وفيه من الفقه‏:‏ جواز مخاطبة من ليس فى صلاة لمن هو فى صلاة، وجواز استماع المصلى إلى ما يخبره به من ليس فى صلاة ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لما أشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم سمعوا منه وأكملوا صلاتهم، ولم يضرهم ذلك، وهو قول مالك‏.‏

باب إِذَا دَعَتِ الأمُّ وَلَدَهَا فِى الصَّلاةِ

- وَقَالَ اللَّيْثُ‏:‏ حَدَّثَنِى جَعْفَرُ،، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ‏:‏‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نَادَتِ امْرَأَةٌ ابْنَهَا، وَهُوَ فِى صَوْمَعَتِةِ، قَالَتْ‏:‏ يَا جُرَيْجُ، قَالَ‏:‏ اللَّهُمَّ أُمِّى وَصَلاتِى، ثلاثًا، قَالَتِ‏:‏ اللَّهُمَّ لا يَمُوتُ جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُرَ فِى وُجُوهِ الْمَيَامِيسِ، وَكَانَتْ تَأْوِى إِلَى صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ، فَوَلَدَتْ، فَقِيلَ‏:‏ لَهَا مِمَّنْ هَذَا الْوَلَدُ‏؟‏ قَالَتْ‏:‏ مِنْ جُرَيْجٍ، قَالَ جُرَيْجٌ‏:‏ أَيْنَ هَذِهِ الَّتِى تَزْعُمُ أَنَّ وَلَدَهَا لِى‏؟‏ قَالَ‏:‏ يَا بَابُوسُ مَنْ أَبُوكَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ الرَاعِى‏)‏‏.‏

البابوس‏:‏ الصبى الرضيع بالفارسية‏.‏

قال المؤلف‏:‏ هذا الحديث دليل أنه لم يكن الكلام فى الصلاة ممنوعًا فى شريعة جريج، فلما لم يأت من إجابتها بما هو مباح له، استجيبت دعوة أمه فيه، وقد كان الكلام فى شريعتنا جائزًا فى الصلاة إلى أن نزلت‏:‏ ‏(‏وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 238‏]‏‏.‏

وذكر البخارى عن أبى سعيد بن المعلى، قال‏:‏ كنت أصلى فى المسجد، فدعانى النبى صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت‏:‏ يا رسول الله، كنت أصلى، قال‏:‏ ‏(‏ألم يقل الله‏:‏ ‏(‏استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 25‏]‏‏)‏، الحديث‏.‏

ولا يجوز أن يوبخه النبى صلى الله عليه وسلم على ترك الاستجابة إلا وقت إباحة الكلام فى الصلاة، فلما نسخ ذلك لم يجز للمصلى إذا دعته أمه، أو غيرها أن يقطع صلاته، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق‏)‏‏.‏

وحق الله تعالى الذى شرع فيه ألزم من حق الأبوين حتى يفرغ منه، لكن العلماء يستحبون له أن يخفف صلاته ويجيب أبويه‏.‏

وقد روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديث مرسل يخالف هذا رواه ابن أبى شيبة عن حفص ابن غياث، عن ابن أبى ذئب، عن محمد بن المنكدر، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إذا دعتك أمك فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه‏)‏، وقال به مكحول، رواه الأوزاعى عنه، وقال العوام‏:‏ سألت مجاهدًا عن الرجل تقام عليه الصلاة وتدعوه أمه أو والده، قال‏:‏ يجيبهما‏.‏

وفى كتاب البر والصلة، عن الحسن فى الرجل تقول له أمه‏:‏ أفطر، قال‏:‏ يفطر وليس عليه قضاء، وله أجر الصوم والبر، وإذا قالت له‏:‏ لا تخرج إلى الصلاة، فليس لها فى هذا طاعة، هذه فريضة‏.‏

فدل هذا أن قياس قوله إذا دعته فى الصلاة لا يجيبها، وأما مرسل ابن المنكدر فالفقهاء على خلافه، ولا أعلم به قائلاً غير مكحول، ويحتمل أن يكون معناه إذا دعته أمه فليجبها، يعنى بالتسبيح وبما أبيح للمصلى الاستجابة به، كما ذكر ابن حبيب، قال‏:‏ من أتاه أبوه ليكلمه وهو فى نافلة فليخفف، وليسلم ويكلمه، وإذا نادته أمه فليبتدرها بالتسبيح، وليخفف وليسلم‏.‏

وأما قول مجاهد‏:‏ إذا أقميت عليه الصلاة ودعاه أبوه، أو أمه فليجبهما، فيحتمل أن يكون أمره بإجابتهما إذا كان الوقت متسعًا، ولم يدخل فى الصلاة، فتجتمع له إجابة أبويه وقضاء الصلاة فى وقتها‏.‏

وقال المهلب‏:‏ وفى حديث أبى هريرة دليل أنه من أخذ بالشدة فى أمور العبادات كان أفضل إذا علم من نفسه قوة على ذلك، لأن جريجًا رعى حق الله فى التزام الخشوع له فى صلاته، وفضله على الاستجابة لأمه، فعاقبه الله على ما ترك من الاستجابة لها بما ابتلاه به من دعوة المرأة عليه، ثم أراه فضل ما آثره به من مناجاة ربه، والتزام الخشوع له، أن جعل له آية معجزة فى كلام الطفل، فخلصه بها من محنة دعوة أمه عليه‏.‏

وفى هذا الحديث إجابة دعوة الوالدة فى السراء والضراء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏اللهم أمى وصلاتى‏)‏، إنما سأله أن يلقى فى قلبه الأفضل، ويحمله على أولى الأمرين به، فحمله على التزام مراعاة حق الله على حق أمه، وقد يمكن أن يكون جريج نبيًا، لأنه كان فى زمن يمكن فيه النبوة‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ يحتمل أن يكون حديث أبى سعيد بن المعلى قبل تحريم الكلام فى الصلاة كما قلت، فكيف جاز له ترك مجاوبة النبى صلى الله عليه وسلم إذا كان الكلام مباحًا‏؟‏ قيل‏:‏ يمكن أن يتأول أبو سعيد قوله‏:‏ ‏(‏استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 25‏]‏ إذا كنتم فى غير الصلاة، فعذره النبى صلى الله عليه وسلم بذلك حين رأى التزام السكوت فى الصلاة تعظيمًا لشأنها، كما تأول أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حين أمرهم بالحلاق ألا يحلقوا لَمَّا لَمْ يبلغ الهدى محله‏.‏

فإن قيل‏:‏ فيحتمل أن يدعوه الرسول صلى الله عليه وسلم فى وقت تحريم الكلام فى الصلاة، قيل‏:‏ نعم، يحتمل ذلك وتكون استجابته له بالتسبيح فيوجز فى صلاته، فتجتمع طاعة الله بإتمام الصلاة، وطاعة الرسول بالاستجابة له‏.‏

وأظهر التأويلين أن يدعوه النبى صلى الله عليه وسلم وقت إباحة الكلام فى الصلاة، وقد احتج قوم من أهل الظاهر بحديث أبى سعيد بن المعلى، وزعموا أن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم يوم ذى اليدين خصوص له، وقالوا‏:‏ لا يجوز لأحدٍ أن يفعل ذلك بعد النبى صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏(‏استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ‏(‏ فلا يتكلم أحد، ولا يجيب غير الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا حجة لهم فيه، لأن قوله‏:‏ ‏(‏استجيبوا لله وللرسول ‏(‏معناه بما يستجيب به المصلى من قوله‏:‏ سبحان الله، وإشارة تفهم عنه كما كان صلى الله عليه وسلم يرد السلام على الأنصار إشارةً حين دخلوا عليه فى مسجد قباء، وهو يصلى، وكذلك قوله‏:‏ ‏(‏من نابه شىء فى صلاته فليسبح‏)‏‏.‏

قال ابن السكيت‏:‏ المومس‏:‏ البغى، قال أبو عبيد‏:‏ وهى المومسة أيضًا‏.‏

باب مَسْحِ الْحَصَا فِى الصَّلاةِ

- فيه‏:‏ مُعَيْقِيبٌ، أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِى الرَّجُلِ يُسَوِّى التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ‏:‏ ‏(‏إِنْ كُنْتَ فَاعِلا فَوَاحِدَةً‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ هذا من باب العمل فى الصلاة، وقد تقدم أن قليل ذلك معفو عنه فيها، وقوله‏:‏ ‏(‏إن كنت فاعلاً فواحدة‏)‏، يريد تقليل العمل فيها، ووكل الأمر فى ذلك إلى أمانة المصلى، وقد روى عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمسحون الحصى لموضع سجودهم مرة واحدة، وكرهوا ما زاد عليها‏.‏

وروى ذلك عن ابن مسعود، وأبى ذر، وأبى هريرة، وروى مالك عن يحيى بن سعيد، قال‏:‏ إن أبا ذر كان يقول‏:‏ مسح الحصى مرةً واحدةً، وتركها خير من حمر النعم‏.‏

وهو قول الأوزاعى، والكوفيين، وروى عن ابن عمر أنه كان إذا أهوى ليسجد مسح الحصى مسحًا خفيفًا‏.‏

وكان مالك لا يرى بالشىء الخفيف منه بأسًا، وقال ابن جريج‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ أكانوا يشددون فى مسح الحصى لموضع الجبين ما لا يشددون فى مسح الوجه من التراب‏؟‏ قال‏:‏ أجل، وإنما أبيح مسح الحصى مرة وهو يسير، لأن المصلى لا يجوز أن يعمل جوارحه فى غير الصلاة، ومسح الحصى ليس من الصلاة فلا ينبغى له ذلك، ولا أن يأخذ شيئًا، ولا أن يضعه، فإن فعل لم تنتقض صلاته، ولا سهو عليه‏.‏

باب بَسْطِ الثَّوْبِ فِى الصَّلاةِ لِلسُّجُودِ

- فيه‏:‏ أَنَسِ، قَالَ‏:‏ كُنَّا نُصَلِّى مَعَ الرسُول صلى الله عليه وسلم فِى شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأرْضِ، بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ‏.‏

قال المهلب‏:‏ هذا الباب أيضًا من باب العمل اليسير فى الصلاة، وهو مستجاز، لأنه من أمور الصلاة، وقد أمر النبى صلى الله عليه وسلم بالإبراد من أجل الحر، ولئلا يتعذب الناس بفيح النار، ولا يتمكن من السجود، ولا المبالغة فيه فى زمن الحر، إلا أن يتقيه بثوبه لشدة حر الحجارة، وقد ترجم لحديث أنس فى أبواب اللباس فى الصلاة، باب السجود على الثوب فى شدة الحر، وذكرنا فيه اختلاف العلماء فى السجود على الثياب، فأغنى عن إعادته‏.‏

باب مَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِى الصَّلاةِ

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالَتْ‏:‏ كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِى فِى قِبْلَةِ الرسُول صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّى فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِى، فَرَفَعْتُهَا فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهَما‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، أن الرسُول صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلاةً، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، فَشَدَّ عَلَىَّ، لِيَقْطَعَ الصَّلاةَ عَلَىَّ فَأَمْكَنَنِى اللَّهُ مِنْهُ، فَذَعَتُّهُ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا، فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ‏:‏ ‏(‏رَبّ هَبْ لِى مُلْكًا لا يَنْبَغِى لأحَدٍ مِنْ بَعْدِى‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 35‏]‏ فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا‏)‏‏.‏

استخف جماعة العلماء العمل اليسير فى الصلاة، وأجمعوا أن الكثير منه لا يجوز، إلا أنهم لم يحدّوا القليل، ولا الكثير، وإنما هو اجتهاد واحتياط، وغمزُه صلى الله عليه وسلم رجل عائشة فى الصلاة هو عمل يسير، إلا أن تكرير ذلك ربما أخرجه عن حَدِّ القليل‏.‏

وأما حديث الشيطان الذى عرض للنبى صلى الله عليه وسلم فى الصلاة، فقد رواه عبد الرزاق مفسرًا، فقال‏:‏ ‏(‏عرض لى فى صورة هرّ‏)‏، فهذا معنى قوله‏:‏ ‏(‏فأمكننى الله منه‏)‏ أى صوره لى فى صورة الهرِّ مشخصًا يمكنه أخذه، فأراد ربطه، ففى هذا جواز العمل فى الصلاة، وربطه إلى سارية عمل كثير قد هم به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يهم إلا بجائز‏.‏

ومما استخف العلماء من العمل فى الصلاة أخذ البرغوث والقملة، ودفع المارِّ بين يدى المصلى، والإشارة والالتفات الخفيف، والمشى الخفيف، وقتل الحية والعقرب، وهذا كله إذا لم يقصد المصلى بذلك العبث فى صلاته ولا التهاون بها، وممن أجاز أخذ القملة فى الصلاة وقتلها الكوفيون والأوزاعى‏.‏

وقال أبو يوسف‏:‏ قد أساء، وصلاته تامة، وكره الليث قتلها فى المسجد، ولو قتلها لم يكن عليه شىء، وقال مالك‏:‏ لا يقتلها فى المسجد ولا يطرحها فيه، ولا يدفنها فى الصلاة‏.‏

وقال الطحاوى‏:‏ لو حك بدنه لم يكره، كذلك أخذ القملة وطرحها‏.‏

ورخص فى قتل العقرب فى الصلاة‏:‏ ابن عمر، والحسن، والأوزاعى، واختلف قول مالك فى ذلك، فمرة كرهه، ومرة أجازه، وقال‏:‏ لا بأس بقتلها إذا آذته وخَفَّفَه، وكذلك الحية والطير يرميه بحجر يتناوله من الأرض، فإن لم يطل ذلك لم تبطل صلاته‏.‏

وأجاز قتل الحية والعقرب فى الصلاة‏:‏ الكوفيون، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وكره قتل العقرب فى الصلاة‏:‏ إبراهيم النخعى، وسئل مالك عمن يمسك عنان فرسه فى الصلاة، ولا يتمكن من وضع يديه بالأرض، قال‏:‏ أرجو أن يكون خفيفًا، ولا يتعمد ذلك‏.‏

وروى على بن زياد، عن مالك فى المصلى يخاف على صبى بقرب نار فذهب يُنَحِّيه، قال‏:‏ إن انحرف عن القبلة ابتدأ، وإن لم ينحرف بَنَى‏.‏

وسئل أحمد بن حنبل، عن رجل أمامه سترة فسقطت، فأخذها فأركزها، قال‏:‏ أرجو ألا يكون به بأس‏.‏

فذكر له عن ابن المبارك أنه أمر رجلاً صنع ذلك بالإعادة، قال‏:‏ لا آمره بالإعادة، وأرجو أن يكون خفيفًا‏.‏

وأجاز مالك والشافعى حمل الصبى فى الصلاة المكتوبة، وهو قول أبى ثور‏.‏

قال الخطابى‏:‏ وقوله‏:‏ ‏(‏فذعته‏)‏ رواه جماعة بالدال من الدَّعِّ الذى هو الدفع من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يدع اليتيم‏}‏ ‏[‏الماعون‏:‏ 2‏]‏ والأصل فى دع‏:‏ دعع، فإذا أسندت الفعل إلى نفسك قلت‏:‏ دَعَعْتُهُ، فإن قلت‏:‏ دَعَتُّه، لم يجز فى العربية؛ لأنه لا يجوز فى العربية أن تدغم العين فى التاء، وإنما يدغم الحرف فى مثله، أو فيما قارب مخرجه مخرجه، فبطل بذلك أن يكون بالدال‏.‏

قال الخطابى‏:‏ والصواب فيه ما حدثنى الخيام عن النسفى، عن البخارى ‏(‏فذعته‏)‏ بالذال، وحكى عن ثعلب، عن الأصمعى، قال‏:‏ الذعت‏:‏ الخنق‏:‏ قالا‏:‏ والذعت أيضًا أن تُمَعِّكَ الرجل فى التراب، فإذا أسندت الفعل من ذعت إليك قلت‏:‏ ذعتُّه، أذعته، وكان الأصل ذعته، فأدغمت لام الفعل التى هى تاء المتكلم كما تقول متته وسبته من قولك مت الحَبْل، بمعنى مدّ، وسبت رأسه‏:‏ حلقه، وسبت شعره‏:‏ أرسله‏.‏

باب إِذَا انْفَلَتَتِ الدَّابَّةُ فِى الصَّلاةِ

قَالَ قَتَادَةُ‏:‏ إِنْ أُخِذَ ثَوْبُهُ يَتْبَعُ السَّارِقَ، وَيَدَعُ الصَّلاةَ‏.‏

- فيه‏:‏ الأزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ، قَالَ‏:‏ كُنَّا بِالأهْوَازِ نُقَاتِلُ الْحَرُورِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى حَرْف نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّى، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا، قَالَ شُعْبَةُ‏:‏ هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِىُّ، فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ، يَقُولُ‏:‏ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ، قَالَ‏:‏ إِنِّى سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ، وَإِنِّى غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سِتَّ غَزَوَاتٍ، أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، أَوْ ثَمَانِىَ، وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ، وَإِنِّى إِنْ كُنْتُ أرجعَ مَعَ دَابَّتِى، أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا، فَيَشُقُّ عَلَىَّ‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةُ‏:‏ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ قَالَ حِينَ فرغ‏:‏ ‏(‏لَقَدْ رَأَيْتُ فِى مَقَامِى هَذَا كُلَّ شَىْءٍ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ، حِينَ رَأَيْتُمُونِى جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، حِينَ رَأَيْتُمُونِى تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَىٍّ، وَهُوَ الَّذِى سَيَّبَ السَّوَائِبَ‏)‏‏.‏

لا خلاف بين الفقهاء أنه من أفلتت دابته وهو فى الصلاة أنه يقطع الصلاة ويتبعها، وقال مالك فى المختصر‏:‏ من خشى على دابته الهلاك، أو على صبى رآه فى الموت فليقطع صلاته‏.‏

وروى عنه ابن القاسم فى مسافر انفلتت دابته وخاف عليها، أو على صبى، أو أعمى أن يقع فى بئر أو نار، أو ذكر متاعًا يخاف أن يتلف، فذلك عذر يبيح له أن يستخلف ولا يفسد على من خلفه شيئًا‏.‏

وقول أبى برزة للذى أنكر عليه قطع الصلاة واتباع دابته‏:‏ ‏(‏شهدت تيسير النبى، صلى الله عليه وسلم‏)‏، يعنى تيسيره على أمته فى الصلاة وغيرها، ولا يجوز أن يفعل هذا أبو برزة من رأيه دون أن يشاهده من النبى صلى الله عليه وسلم قوله‏:‏ ‏(‏وإنى إن كنت أرجع مع دابتى أحب إلىّ‏)‏ إلى آخر قوله، أخبر أن قطعه للصلاة واتباعه لدابته أفضل من تركها، وإن رجعت إلى مكان علفها، وموضعها فى داره، فكيف إن خشى عليها أنها لا ترجع إلى داره، فهذا أشد لقطعه للصلاة واتباعه لها‏.‏

ففى هذا حجة للفقهاء فى أن كل ما خشى تلفه من متاع، أو مال، أو غير ذلك من جميع ما بالناس الحاجة إليه أنه يجوز قطع الصلاة وطلبه، وذلك فى معنى قطع الصلاة لهرب الدابة‏.‏

وأما قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث عائشة‏:‏ ‏(‏لقد رأيت أريد أن آخذ قطفًا حين رأيتمونى جعلت أتقدم‏)‏، فهذا المشى عمل فى الصلاة، وكذلك ‏(‏حين رأيتمونى تأخرت‏)‏ عمل أيضًا، إلا أنه ليس فيه قطع للصلاة، ولا استدبار للقبلة، ولا مشى كثير مثل ما يمشى من انفلتت دابته وبعدت عنه، فدل هذا الحديث إن مشى إلى دابته خطىً يسيرة نحو تقدمه صلى الله عليه وسلم إلى القطف، وكانت دابته قريبًا منه فى قبلته أنه لا يقطع صلاته‏.‏

وقد سئل الحسن البصرى، عن رجل صلى وأشفق أن تذهب دابته قال‏:‏ ينصرف، قيل له‏:‏ أفيتم على ما مضى‏؟‏ قال‏:‏ إذا ولى ظهره القبلة استأنف الصلاة، وسئل قتادة عن رجل دخلت الشاة فى بيته، وهو يصلى فيطأطئ رأسه ليأخذ القصبة يضربها‏؟‏ قال‏:‏ لا بأس به‏.‏

باب مَا يَجُوزُ مِنَ النفخِ فِى الصَّلاةِ والبزاق

وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَفَخَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فِى سُجُودِهِ فِى كُسُوف الشمس‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى نُخَامَةً فِى قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ، فَإِذَا كَانَ فِى صَلاتِهِ فَلا يَبْزُقَنَّ، أَوْ قَالَ‏:‏ لا يَتَنَخَّمَنَّ، ثُمَّ نَزَلَ، فَحَتَّهَا بِيَدِهِ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَسِ، قَالَ النَّبِىّ، صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إِذَا كَانَ أَحَدِكُمْ فِى الصَّلاةِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِى رَبَّهُ، فَلا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى‏)‏‏.‏

اختلف العلماء فى النفخ فى الصلاة، فكرهته طائفة ولم توجب على من نفخ إعادة، روى ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، والنخعى، ورواية عن مالك، قال على عن مالك‏:‏ أكره النفخ فى الصلاة، ولا يقطعها كما يقطعها الكلام‏.‏

وهو قول أبى يوسف، وأشهب، وأحمد، وإسحاق‏.‏

وقالت طائفة‏:‏ هو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة، روى عن سعيد بن جبير، وهو قول مالك فى المدونة، وفيه قول ثالث‏:‏ أن النفخ إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام، ويقطع الصلاة، هذا قول أبى حنيفة، والثورى، ومحمد‏.‏

والقول الأول أولى، لما ذكره البخارى عن عبد الله بن عمرو‏:‏ ‏(‏أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفخ فى سجوده‏)‏، وذكر ابن أبى شيبة لأبى صالح أن قريبًا لأم سلمة صلى فنفخ، فقالت أم سلمة‏:‏ لا تفعل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لغلام لنا أسود‏:‏ ‏(‏يا رباح، ترب وجهك‏)‏‏.‏

وقال ابن بريدة‏:‏ كان يقال‏:‏ من الجفاء أن ينفخ الرجل فى صلاته، فدل هذا أن من كرهه إنما جعله من الجفاء وسوء الأدب، لا أنه بمنزلة الكلام عنده، ألا ترى أن أم سلمة لم تأمر قريبها حين نفخ فى صلاته بإعادتها، ولو كان بمنزلة الكلام عندها ما تركت بيان ذلك، ولا فعله رسوله الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ويدل على صحة هذا اتفاقهم على جواز التنخم والبزاق فى الصلاة، وليس فى النفخ من النطق بالفاء والهمزة أكثر مما فى البزاق من النطق بالتاء والفاء اللتين من رمى البصاق، ولما اتفقوا على جواز البزاق فى الصلاة جاز النفخ فيها، إذ ليس بينهما فرق فى أن كل واحدٍ منهما بحروف، ولذلك ذكر البخارى حديث البزاق فى هذا الباب ليستدل به على جواز النفخ، لأنه لم يسند حديث عبد الله بن عمرو، أن النبى صلى الله عليه وسلم نفخ فى سجوده، واعتمد على الاستدلال من حديث النخامة والبزاق، وهو استدلال حسن، وأما البزاق اليسير فإنه يحتمل فى الصلاة إذا كان على اليسار، أو تحت القدم، كما جاء فى الحديث، غير أنه ينبغى إرساله بغير نطق بحرف مثل التاء والفاء اللتين يفهمان من رمى البزاق، لأن ذلك من النطق، وهو خلاف الخشوع فيها‏.‏

باب إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّى تَقَدَّمْ أَوِ انْتَظِرْ، فَانْتَظَرَ، فَلا بَأْسَ

- فيه‏:‏ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ‏:‏ كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ‏:‏ لا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِىَ الرِّجَالُ جُلُوسًا‏.‏

التقدم فى هذا الحديث هو تقدم الرجال بالسجود النساء، لأن النساء إذا لم يرفعن رءوسهن حتى يستوى الرجال جلوسًا، فقد تقدمهن بذلك وصرن منتظرات لهم، وفى هذا من الفقه جواز وقوع فعل المأموم بعد الإمام بمدة، ويصح ائتمامه، كمن زحم ولم يقدر على الركوع والسجود، حتى قام الناس، وفيه جواز سبق المأمومين بعضهم لبعض فى الأفعال، ولا يضر ذلك، وفيه إنصات المصلى لمخبر يخبره، وفيه جواز الفتح على المصلى، وإن كان الذى يفتح عليه فى غير صلاة، لأنه قد يجوز أن يكون القائل للنساء، لا ترفعن رءوسكن فى غير صلاة‏.‏

باب لا يَرُدُّ السَّلامَ فِى الصَّلاةِ

- فيه‏:‏ عَبْدِاللَّهِ، قَالَ‏:‏ كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِى الصَّلاةِ، فَيَرُدُّ عَلَىَّ، فَلَمَّا رَجَعْنَا، سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ، وَقَالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّ فِى الصَّلاةِ شُغْلا‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ جَابِرِ، قَالَ‏:‏ بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى حَاجَةٍ لَهُ، فَانْطَلَقْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، وَقَدْ قَضَيْتُهَا، فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ، فَوَقَعَ فِى قَلْبِى مَا اللَّهُ بِهِ أَعْلَمُ، فَقُلْتُ فِى نَفْسِى‏:‏ لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَجَدَ عَلَىَّ أَنِّى أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَىَّ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّمَا مَنَعَنِى أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ أَنِّى كُنْتُ أُصَلِّى، وَكَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ‏)‏‏.‏

أجمع العلماء أن المصلى لا يرد السلام متكلمًا، واختلفوا هل يرد بالإشارة، فكرهته طائفة، روى ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وهو قول أبى حنيفة، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور، واحتج الطحاوى لأصحابه بقوله‏:‏ ‏(‏فلم يرد علىّ، وقال‏:‏ إن فى الصلاة شغلاً‏)‏، واختلف فيه قول مالك، فمرة كرهه، ومرة أجازه، وقال‏:‏ ليرد مشيرًا بيده وبرأسه، ورخصت فيه طائفة، روى ذلك عن سعيد بن المسيب، وقتادة، والحسن‏.‏

وفيه قول ثالث‏:‏ وهو أنه يرد عليه إذا فرغ من الصلاة، روى ذلك عن أبى ذر، وأبى العالية، وعطاء، والنخعى، والثورى، واحتج الذين رخصوا فى ذلك بما رواه ابن أبى شيبة، عن وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين، قال‏:‏ لما قدم عبد الله من الحبشة، وأتى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلى، فسلم عليه، فأومأ وأشار برأسه‏.‏

قال‏:‏ حدثنا ابن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال‏:‏ سألت صهيبًا، كيف كان النبى صلى الله عليه وسلم يصنع حين يسلم عليه وهو يصلى‏؟‏ قال‏:‏ يشير بيده‏.‏

وعن ابن عمر، أن النبى صلى الله عليه وسلم أتى قباء، فجاء الأنصار يسلمون عليه، وهو يصلى، فأشار إليهم بيده‏.‏

وقال عطاء‏:‏ سلم رجل على ابن عباس، وهو يصلى، فأخذ بيده فصافحه وغمزه‏.‏

وقد ثبتت الإشارة عن الرسول صلى الله عليه وسلم فى الصلاة فى آثار كثيرة، ذكرها البخارى فى آخر كتاب الصلاة، فلا معنى لقول من أنكر رد السلام بالإشارة‏.‏

وكذلك اختلفوا فى السلام على المصلى، فكره ذلك قوم، وروى عن جابر بن عبد الله، قال‏:‏ لو دخلت على قوم وهم يصلون ما سلمت عليهم‏.‏

وقال أبو مجلز‏:‏ السلام على المصلى عجز‏.‏

وكرهه عطاء، والشعبى، ورواه ابن وهب عن مالك، وبه قال إسحاق‏.‏

ورخصت فيه طائفة، روى ذلك عن ابن عمر، وهو قول مالك فى المدونة، وقال‏:‏ لا يكره السلام على المصلى فى فريضة ولا نافلة‏.‏

وفعله أحمد بن حنبل‏.‏

باب رَفْعِ الأيْدِى فِى الصَّلاةِ لأمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ

- فيه‏:‏ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أن النَّبِىَ صلى الله عليه وسلم جاء وَأَبُو بَكْرِ يُصَلِّىَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم بأَنْ يُصَلِّىَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

رفع الأيدى استسلام وخشوع لله تعالى فى غير الصلاة، فكيف فى الصلاة التى هى موضوعة للخشوع والضراعة إلى الله تعالى، والحجة فى هذا الحديث فى رفع أبى بكر يديه بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر ذلك عليه‏.‏

باب الْخَصْرِ فِى الصَّلاةِ

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ‏:‏ نَهَى النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُصَلِّىَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا‏.‏

قال المهلب‏:‏ إنما كره الخصر فى الصلاة، لأنه يشبه المختالين، والخصر أن يضع الرجل يديه على خاصرتيه، وفيه معنى الكبرياء، فلا يحل القليل منه، فكيف فى الصلاة التى هى موضوعة للخشوع، والخيلاءُ والكبرُ ينافيان الخشوع، وكرهه ابن عباس، وعائشة، والنخعى، وهو قول مالك، والأوزاعى، والكوفيين‏.‏

ورأى ابن عمر رجلاً وضع يديه على خاصرتيه فى الصلاة، فقال‏:‏ هذا الصلب فى الصلاة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه، وقالت عائشة‏:‏ هو من فعل اليهود، وقالت مرة‏:‏ هكذا أهل النار فى النار‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ وضع اليد على الحقو استراحة أهل النار، وقال الخطابى‏:‏ المعنى أنه فعل اليهود فى صلاتهم، وهم أهل النار، لا على أن لأهل النار المخلدين فيها راحة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 75‏]‏‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ الشيطان يخصر كذلك‏.‏

قال حميد بن هلال‏:‏ إنما كره التخصر فى الصلاة، لأن إبليس أهبط مختصرًا‏.‏

باب يَفَكُر الرَّجُلُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ

وَقَالَ عُمَرُ بنْ الخَطَّاب‏:‏ إِنِّى لأجَهِّزُ جَيْشِى، وَأَنَا فِى الصَّلاةِ‏.‏

- فيه‏:‏ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم الْعَصْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ سَرِيعًا، ثًمَّ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، وَرَأَى مَا فِى وُجُوهِ الْقَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ، فَقَالَ‏:‏ ‏(‏ذَكَرْتُ وَأَنَا فِى الصَّلاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِىَ، أَوْ يَبِيتَ، عِنْدَنَا، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، أن الرَسُول صلى الله عليه وسلم، قَالَ‏:‏ ‏(‏إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ أَقْبَلَ، فَلا يَزَالُ بِالْمَرْءِ يَقُولُ لَهُ‏:‏ اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى لا يَدْرِىَ كَمْ صَلَّى‏}‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ يَقُولُ النَّاسُ‏:‏ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَلَقِيتُ رَجُلا، فَقُلْتُ‏:‏ بِمَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْبَارِحَةَ فِى الْعَتَمَةِ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ لا أَدْرِى، قُلْتُ‏:‏ لَمْ تَشْهَدْهَا، قَالَ‏:‏ بَلَى، قَقُلْتُ‏:‏ لَكِنْ أَنَا أَدْرِى، قَرَأَ بسُورَةَ كَذَا وَكَذَا‏.‏

قال المهلب‏:‏ الفكر فى الصلاة أمر غالب لا يمكن الاحتراز من جميعه، لما جعل الله للشيطان من السبيل إلى تذكيرنا ما يسهينا به عن صلاتنا، وخير ما يستعمل به الفكر فى الصلاة ما هو فيه من مناجاة ربه، ثم بعده الفكر فى إقامة حدود الله، كالفكر فى تفريق الصدقة كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم أو فى تجييش جيش الله عز وجل على أعدائه المشركين كما قال عمر‏.‏

وروى هشام بن عروة، عن أبيه، قال‏:‏ قال عمر‏:‏ إنى لأحسب جزية البحرين، وأنا فى الصلاة‏.‏

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه‏)‏، ليحض على الإقبال على الصلاة، وليجاهدوا الشيطان فى ذلك بما رغبهم فيه، وأعلمهم من غفران الذنوب لمن أجهد نفسه فيه، وهذا الانصراف من النبى صلى الله عليه وسلم لا يدخل فى معنى التخطى، لأن على الناس كلهم الانصراف بعد الصلاة، فمن بقى فى موضعه فهو مختار لذلك، وإنما التخطى فى الدخول إلى المسجد لا فى الخروج منه‏.‏

وأما قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اذكر كذا، اذكر كذا‏)‏، فإن أبا حنيفة أتاه رجل قد رفع مالا، ثم غاب عن مكانه سنين، فلما انصرف نسى الموضع الذى جعله فيه، فذكر ذلك لأبى حنيفة تبركًا برأيه، ورغبة فى فضل دعائه، فقال أبو حنيفة‏:‏ توضأ هذه الليلة وصل، وأخلص النية فى صلاتك لله، وفرغ قلبك من خواطر الدنيا ومن كل عارض فيها، فلما جاء الليل فعل الرجل ما أمره به، وأجهد أن لا يجرى على باله شىء من أمور الدنيا، فجاءه الشيطان فذكره بموضع المال، فقصده من وقته فوجده فيه، فلما أصبح غدا إلى أبى حنيفة، فأخبره بوجود المال، فقال أبو حنيفة‏:‏ قدرت أن الشيطان سيرضى أن يشغله عن إخلاص فكره فى صلاته لله تعالى، ويصالحه على ذلك بتذكيره بما فقده من ماله، ليلهيه عن صلاته استدلالا بهذا الحديث، فعجب جلساؤه لجودة انتزاعه لهذا المعنى الغامض من هذا الحديث‏.‏

وقول الرجل لأبى هريرة‏:‏ ‏(‏لا أدرى ما قرأ رسول الله‏)‏، يدل أنه كان مفكرًا فى صلاته، فلذلك لم يدر ما قرأ به النبى صلى الله عليه وسلم وقول أبى هريرة‏:‏ ‏(‏يقول الناس‏:‏ أكثر أبو هريرة‏)‏، ففيه أنه أكثر من يعلم، وكان حافظًا له ضابطًا، لأن الإكثار ليس بعيب، وإنما يكون عيبًا فيه إذا خشى قلة الضبط، فقد يكون من الناس غير مكثر من العلم ولا ضابط له مثل هذا الرجل الذى لم يحفظ ما قرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى العتمة‏.‏

وفيه‏:‏ أنه يجوز أن يُنفى فعل الشىء عمن لم يحكمه، لأن أبا هريرة قال للرجل‏:‏ لم تشهدها، يريد شهودًا تامًا، فقال الرجل‏:‏ بلى شهدتها، كما يقال للصانع إذا لم يحسن صنعته‏:‏ ما صنعت شيئًا، يريدون الإتقان، وللمتكلم‏:‏ ما قلت شيئًا، إذا لم يعلم ما يقول‏.‏

وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب‏)‏، و ‏(‏لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد‏)‏، يريد لا صلاة تامة‏.‏